Tag Archives: فلسطيني بلا هوية

فلسطيني بلا هوية لـِ صلاح خلف (3) إنفجار التيار الجزء الثاني

فلسطيني بلا هوية لـِ صلاح خلف (3) إنفجار التيار الجزء الثاني وقد ظل هذا الحادث، الذي يرمز إلى المصير الذي ينتظر الفلسطينيين محفوراً في ذاكرتي، بحيث أني بعد ذلك بعشر سنوات، رويته لشخصية لبنانية تشغل حالياً منصباً هاماً داخل حزب الكتائب، لأدلل له على قدر الفلسطينيين البائس، وعلى معنى كفاحنا. فشزرني ببرود وقال لي بلهجته…
Read more

فلسطيني بلا هوية لـِ صلاح خلف (3) إنفجار التيار الجزء الأول

فلسطيني بلا هوية لـِ صلاح خلف (3) إنفجار التيار الجزء الأول كنا في العاشر من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1959، بضعة أشخاص مجتمعين في منزل سري في الكويت لإيقاف فتح على قديمها. وسيتلو اجتماعنا هذا، انعقاد عدد آخر من الاجتماعات في الأيام التالية يحضرها مشاركون آخرون (أقل من عشرين شخصاً بالإجمال) وبسرية كاملة دائماً وأبداً.…
Read more

فلسطيني بلا هوية لـِ صلاح خلف.. تتمة (2) سنوات الحمل

فلسطيني بلا هوية صلاح خلف تتمة (2) سنوات الحمل كانت الشراسة التي تحملها السلطات لي، تظهر أحياناً في صغائر. ففي شهر تموز (يوليو) 1954 كنت عضواً في الوفد الذي يرأسه ياسر عرفات، والذي كان ينبغي أن يسافر إلى فرصوفيا لحضور مهرجان للاتحاد الدولي للطلاب، إلا أنني أوقفت قبيل مغادرة الوفد بساعات. كانوا يرون أنني «خطر…
Read more

فلسطيني بلا هوية.. الجزء الثاني لصلاح خلف

فلسطيني بلا هوية صلاح خلف (2) سنوات الحمل ملاحظة: لقد قصدتُ في هذا الجزء تصحيح معظم الأخطاء الطباعية والكلامية التي وردت في النص، بناء على طلب زوار الموقع، إذ تركتُ في الجزء الأول تقريباً كل الأخطاء التي وردت فيه، احتراماً للكاتب. لكني واحتراماً لطلبكم وللكاتب أيضاً، سأقوم بالتدقيق تباعاً، كما آمل أن أجد الوقت لتصحيح…
Read more

فلسطيني بلا هوية

فلسطيني بلا هوية

صلاح خلف

بذور الحقد

سيظل يوم 13 أيّار (مايو) محفوراً في ذاكرتي إلى الأبد. ففي هذا اليوم وقُبيل إعلان دولة إسرائيل بأربع وعشرين ساعة، فرّت عائلتي من يافا لتلجأ إلى غزة، فقد كنّا محاصرين: كانت القوات الصهيونية تسيطر على كافة الطرق المؤدية إلى الجنوب، ولم يكن لدينا من وسيلة أخرى للنجاة بأنفسنا إلا طريق البحر. وكان أن أقلعنا، والديَّ وأشقائي وشقيقاتي الأربعة وعديدون آخرون من عائلتنا، في ما يشبه أن يكون مركباً تحت وابل من القذائف التي كانت تطلقها المدفعية اليهودية المتمركزة في التجمعات المجاورة ولا سيما في تل أبيب.

ولقد سلك مئات الآلاف من الفلسطينيين طريق المنفى في ظروف مأساوية في الغالب، فأما أنا الذي لم أكن بلغت سن الخامسة عشر بعد، فإن الرحيل اتخذ بالنسبة إليَّ أبعاد يوم الحشر.

فقد أخذني مشهد تلك الحشود من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال الرازحين تحت ثقل الحقائب أو الصور، متجهين بشق الأنفس نحو أرصفة مساء يافا في عجيج كئيب، وكانت تتخلل صرخات البعض وندب وانتحاب البعض الآخر، إنفجارات تصم الآذان.

ولم يكد المركب يرفع مراسيه، حتى سمعنا عويل امرأة، فقد لاحظت أن أحد أطفالها الأربعة لم يكن على المركب، وراحت تطلب العودة إلى المرفأ للبحث عنه. إلا أنه كان من الصعب علينا، ونحن نتعرض لنيران المدافع اليهودية الغزيرة أن نعود أدراجنا فنعرض للخطر حياة ما بين مائتين وثلاثمائة شخص بينهم العديد من الأطفال المتراكمين في المركب. ولقد ذهبت توسلات تلك المرأة الباسلة سدى فانهارت باكية، وكنا بضعة أشخاص نحاول تهدئتها مؤكدين لها أنه سيتم إيواء ابنها الصغير بالتأكيد ثم يرسلونه في وقت لاحق إلى غزة. ولكن عبثاً، إذ راح قنوطها يتزايد برغم مقالاتنا، وبرغم تطمينات زوجها. ثم إذا بأعصابها تخور فجأة، فتتخطى درابزين المركب وتلقي بنفسها في البحر. وأما زوجها الذي لم يفلح في الإمسك بها، فقد غاطس بدوره، ولم يكن أي منهما، يحسن العوم فابتلعتهما الأمواج الهائجة أمام نواظرنا. وأما المسافرون الذين أخذهم الروح فكانوا كمن ضربه الشلل.

ولماذا غادرنا دورنا وأرزاقنا ورمينا بأنفسنا في مغامة المنفى.. أني لم أكن وأنا الذي يوقر السلطة الأبوية. لأطرح المسألة على نفسي في ذلك الحين حتى مجرد طرح. سيما وأني كنتُ مقتنعاً، شأن ذوي، بأنه ليس أمامنا سبيل آخر للإفلات من الموت. فمجزرة دير ياسين وقعت قبيل ذلك بشهر، وزرعت الرعب في نفوس أبناء وطني. ففي 9 نيسان (أبريل) قامت حركة مناحيم بيغن، الأرغون في ليئومي (المنظمة العسكرية القومية) بمهاجمة هذه القرية الوادعة الواقعة غربي القدس وأبادت معظم سكانها: فقتل أكثر من 250 رجلاً وامرأة وطفلاً لا مُدافع عنهم، أو دفنوا أحياء، ومثِّل بالعديد من الجثث بالسلاح الأبيض وبُقِرت بطون ثلاثين امرأة حاملاً.

لم يكن لدينا أي سبب يدفعنا للشك بصدق المذبحة الهمجية التي سيؤكدها السيد جاك رينير، ممثل الصليب الأحمر الدولي، أثر استقصاء قام به شخصياً في دير ياسين، فبشاعة التفاصيل التي نقلها، تذكِّر بالفظاعات التي ارتكبها النازيون في أوروبا المحتلة. كانت يافا كدير ياسين، تحت رحمة القوات الصهيونية التي تسيطر بالكامل على المنطقة الواقعة خلف تجمعنا. أما الغاغاناه وهي جيش الوكالة اليهودية "الرسمي" فكانت تنسق نشاطاتها تنسيقاً وثيقاً مع نشاطات "الخوارج" من أمثال مناحيم بغين. وشنت في أول نيسان (أبريل) 1948 هجوماً حسب الأصول بغرض تصفية "الجيوب" العربية داخل الإقليم الذي رُسِم له أن يكون الدولة اليهودية. فكان يجري تحذير الأهالي في كل مرة بأنهم سيلقون مصير دير ياسين إذا لم يخلوا الأمكنة.
ثم أنّ خبر الإبادة الجماعية اندلع اندلاع نار البارود في يافا، شأنه في بقية البلاد. لا بل أن وسائل الإعلام الصهيونية التي كانت تسعى إلى إرهاب العرب زادته إذكاء وتضخيماً، وكذلك. والحق أحق أن يُقال: فعل المحرِّضون الفلسطينيون الذين حسبوا أنهم يعبِّؤون بذلك الأهالي، فكانوا على سبيل المثال، يؤكدون على اغتصاب النساء في دير ياسين من قبل المهاجمين الصهاينة قبل أن يدعوا الفلسطينيين إلى الدفاع عن أثمن ما لديهم، عنيت عن أعراض زوجاتهم وبناتهم. إلا أن استراتيجيتهم هذه أثارت في أغلب الحالات تأثراً عكسياً في هذا المجتمع الذي كان لا يزال مجتمعاً تقليدياً للغاية، وعلى هذا فكثيراً ما كنت أسمع الناس تقول في وسطي "العرض قبل الأرض" وأن أول الأولويات هو أن تقي نسوتنا ثمن اعتداء العسكر الصهيوني.

وكان مما يجعل عزم غالبية سكان يافا. المئة ألف. على السعي وراء ضمان ملتجأ مؤقت أكثر تبريراً وتسويغاً، هو تمتع اليهود بتفوق عسكري ساحق. فقد كانوا بالتالي متقدمين على الفلسطينيين، ثم أن الخوف استولى على الأهالي حين أعلنت بريطانيا العظمى في نهاية عام 1947م، أنها تخلت عن الإنتداب على فلسطين وأنها ستسحب قواتها منها 15 أيار 1948 فلم يبق في وسعنا الاعتماد على حماية الجيوش البريطانية حتى ولو كانت لحمايةٍ مشكوكاً فيها أصلاً. ثم استبد الرعب بيافا، شرعت القوات الصهيونية، بعد مجزرة دير ياسين، بدك المدينة المستهدفة على نحو خاص المرفأ وأحياء الأعمال. وكان في حسبان الناس أن خنق المدينة اقتصادياً هو مقدمة لغزوها ومن ثم ارتكاب مذابح فظيعة بدون أدنى ريب. ولو قيل لي أبدان سني حادثتي أن اليهود سيطردوننا ذات يوم من وطننا لكنت أول الناس استغراباً بكل استنكاراً، ذلك أنه كانت تصل أفراد عائلتي أفضل العلاقات باليهود، وكان لهم الكثير من الأصدقاء فيما بينهم. فجدا الشيخ عبد الله وهو رجل دين من غزة، ربى أطفاله بروح متسامحة، وقد تزوج أحد أبنائه من يهودية كما لم يكن من النادر أن أسمع من يفوقونني سناً يذكرون اتصال حبل الغرام أو انقطاعه بين هذا القريب أو ذلك من ذوي قرابتنا وبين فتاة يهودية.

كان والدي يتحدث العبرية التي تعلمها عبر ممارسته اليومية بطلاقة ففي عام 1920 غادر غزة التي تعاقب فيها عشرة أجيال من عائلته، ليقيم في حي بمواجهة البحر في يافا يُدعى "الحمام المحروق" وإذ عمل بادئاً كموظف في السجل العقاري، فإنه أتيح له أن يتألف مع الأهالي اليهود. وعندما استقال من الوظيفة العامة عام 1940 افتتح بقالة متواضعة في الكرمل، الحي المختلط القريب من تل أبيب، وكان الموردون له شأن زبائنه، يهوداً في نصفهم، يقدرونه ويقيمون علاقات ممتازة معه. ووفقاً للتقاليد في هذا الجزء من العالم فإن أهلي كانوا يتبادلون الزيارات الودية مع جيرانهم وأصدقائهم اليهود بمناسبة الأعياد الإسرائيلية والإسلامية.

وفي ساعة الغداء، ثم لدى مغادرة الصفوف الدراسية بعد الظهر، كنا، شقيقي عبد الله الذي يكبرني بثلاث سنوات وأنا، نذهب إلى محل البقالة لنتيح لوالدنا أن يرتاح بضع ساعات. وإنما تعلمت تدبر أمر نفسي باللغة العبرية عبر خدمة الزبائن اليهود. وبرغم أني كنت أرتاد مدرسة موقوفة على العرب هي مدرسة المروانية، فإني عقدت صداقات عديدة مع طلاب المؤسسات اليهودية الذين كنت أتحدث إليهم بالعبرية أو بالعربية بلا فرق، ولما كان أصدقائي في معظم مولودين في فلسطين أو متحدرين من عائلات تعود أصولها إلى البلدان العربية، وإلى اليمين بخاصة فقد كانوا يتكلمون لغتي بأفضل مما أتكلم أنا لغتهم. كانت أذواقنا هي أذواق الأطفال في سننا، ولا زلت أذكر بوضوح ألعابنا في ساحة تل أبيب ونزهاتنا الطويلة التي كنا نتحدث خلالها عن كل شيء إلا عن المشكلة التي لن تلبث أن تلقي بنا في معسكرين متناحرين. ولقد وعيت النزاع الصهويني/العربي قبيل نهاية الحرب العالمية الأخيرة وأنا ذاهب ذات يوم لزيارة أقارب حميمين لي في العميل، وهي بلدة عربية تقع في منطقة تل أبيب، فعلى منعطف الطريق، شاهدت من بعيد شباباً على رابية يتدربون على استخدام السلاح، وحين انقضت صدمة الوهلة الأولى، لاحظت وأنا مأخوذ، صبياناً وبناتاً تترواح أعمارهم بين 16 و25 سنة تقريباً. وهم يستجيبون لأوامر تعطى لهم بالعبرية، ويقومون بتمارين مختلفة بانضباط كامل، وكان في المشهد ما يقلق ويؤثر في الطفل ذي الأحد عشر عاماً الذي كنته، إذ لماذا يستعد هؤلاء الأحداث اليهود للحرب؟ ومن تراهم سيقاتلون؟ وإلى أية تشكيلة ينتمون؟ وأجابني أجحد أساتذة مدرستي "إلى الهاغاناه" وكانت تلك أول مرة أسمع فيها اسم جيش الوكالة اليهودية "الرسمي" والمرة الأولى أيضاً التي أفهم فيها أننا ماضون نحو الصدام.

كان هناك منظمة فلسطينية شبه عسكرية قد ولدت حديثاً في تلك الحقبة، لمقاومة الهاغاناه، وهي النجادة التي كان يقودها محمد الهواري والذي كان مدير مدرستي، رشاد الدباغ، أحد أعضائها المؤسسين فشجعني على الإنتساب إلى فرع الأحداث أو "الأشبال" فيها. وهكذا، فقد بدأت مع بعض رفاقي حياتنا النضالية. كان بعض أساتذتنا يجهدون في تزويدنا بإعداد سياسي، فيحدثوننا عن تاريخ فلسطين وعن وعد بلفور وعن الإستيطان الصهيوني وعن الثورة الشعبية في سنوات 1936-1939 ويقولون لنا أن واجبنا هو أن نتابع الكفاح لكي تستقل فلسطين بنفس الطريقة التي استقلت بها بقية الدول العربية في المنطقة. وبدأت الاهتمام بالمشاكل التي كانت تثير الرأي العام حينذك أي مطالبة الصهاينة الحق في الهجرة غير المحدودة وشرائهم الكثيف للأراضي العربية، ودفق الأسلحة التي كانوا يتلقونها من الخارج بالتواطؤ الفعال أو السلبي من قبل السلطات البريطانية.

إلا أن انهيار قوات المحور، الذي سرعان ما أفضى إلى معاودة إثارة القضية الفلسطينية، وضع نهاية للصداقة الجميلة التي كانت تربطنا برفاقنا اليهود.
وقد استمرينا في التعاشر، سراً أحياناً، برغم النصائح التي كنا نتلقاها، نحن وهم، ممن يفوقوننا سناً، إلا أن نقاشاتنا المشبوبة كانت تتخذ شكل المناظرة العنيفة أحياناً.

وثمة حدث كان على قدر خاص من الصعوبة، ولا زلت أذكره جيداً، جرى لي في تشرين الأول (أوكتوبر) 1945. فقط جرى تبادل كلام حاد بيننا وبين بعض من رفاقنا اليهود، وكنا نحوا من عشري صبياً من كلا الجانبين. تحول إلى معركة مواجهة تقاتلنا خلالها بالحجارة. وإذا تثني الحادث، فإنني قررت في الغداة أن أزور عائلتي في العميل. كان أبي قد قدم لي عجلة فكنت سعيداً وفخوراً باستخدامها لقطع الكيلومترات العشرة من الطريق. بينما كنت أجتاز تل أبيب لأبلغ العميل، إذ بأربعة أو خمسة صبيان أكبر مني بقليل، يسارعون بغتة إلى مطاردتي، وهم يتهاجون صورة بادية ويصرخون بأعلى صوتهم "عربيت عربيت" (أي عربي بالعبرية) ثم لحقوا بي وطرحوني أرضاً وشرعوا يكيلون لي الضربات على وجهي وبطني وكهري. ولما لم يكن قد سبق لي أن شاهدت مهاجمي هؤلاء قبلاً، فإني لم أعرف سبب احتدامهم الشرس هذا.
ووجدتني مأخوذاً ومرعوباً وغير قادر على الدفاع عن نفسي، ولكني لم أبدأ الولولة إلا حين رأيت اثنين منهم ينكبان على عجلتي بضراوة لتحطيمها، ثم أسرع اثنان من المارة لتخليصي من أيدي المعتدين الذين أفلحوا في الفرار. وساعدني أحد المنقذين وهو رجل مسن، في النهوض وقادني إلى صيدلية قريبة لتضميد جروحي.

باتت عجلتي لا تصلح لأي استعمال، فتركتها وأنا كسير الفؤاد على قارعة الطريق وركبت الأوتوبيس إلى يافا، حيث عدت إلى البيت وأنا لا ألوى على شيء. وإذا كنت متألماً يستنفذني الإمتحان الذي تعرضت له، فإني سريعاً ما نمت. وبعد ذلك بساعات، أيقظتنا في منصف الليل طرقات آمرة على الباب. وإزاء تساؤل والدي القلق، فقد أجابنا صوت جهير: "بوليس"، كان منزلنا مؤلفاً من ثلاث غرف يتراكم فيها أفراد عائلتنا السبعة، مما يجعله أضيق من أن يستقبل العشرة شرطيين عرب وحفنة الضباط الذين كانوا في معظمهم إنكليز والذين كنا نستطيع تمييزهم عبر إطار الباب. وتقدم أحدهم من والدي ومد إليه بمذكرة توقيف بحقي. فكان من المطلوب أن أتبعه إلى مقر دوائر الأمن العام لأجل الإستجواب. ولم يسبق لأفراد عائلتي أن تنازعوا مع البوليس أبداً. كان أبي دقيقاً في نزاهته، محترماً للقوانين السارية وتأبى عليه النخوة كما يفهمها أن يرتكب أية مخالفة، ولهذا فإنه كان في مجرد اقتحام قوات الأمن لمنزلنا في ساعة متأخرة بحد ذاته، ما يصدمه، إذ ما ترى الجيران قائلين؟ وأية جريمة ارتكبت أنا لأستحق مثل هذا العرض للقوات؟

ولكأني أنظر إليه الآن وهو كمن يطرح الأسئلة على الضابط فيجيبه بجفاء بأنه لا يعلم شيئاً. ولقد تعرفنا جميعنا على محدث أبي. إنه الحباب، الذي كان برغم انتمائه إلى المخابرات "السرية" معروفاً تماماً في يافا. فهو فلسطيني ومدافع مطواع عن السلطة الإستعمارية. وكان مكلفاً من قبل رؤسائه الإنكليز بمكافحة "التخريب". فكان الناس يخشونه ويحتقرونه في آن معاً، ذلك أنه كان يبذل كل الحماس في مراقبة مواطنيه وفي قمع كل ما قد يؤدي إلى اضطراب الأمن قمعاً لئيماً شرساً. واحتج أبي بحداثة سني، وصاح "إنكم لا تستطيعون اقتياد طفل في الثانية عشرة من عمره في هزيع الليل" إني أعدكم بأن أقتاده إلى مكتبكم في الساعة الأولى من صباح غد. إني أعلم أن ابني بريء، وأتوسل إليكم أن تصبروا.. "إلا أن الحباب بقي جامداً.

فهو لن يغادر المكان بدوني" وأخيراً وافقط على أن يرافقني والدي. وبدأ الإستجواب فور وصولنا إلى مقر الأمن العام. وسرعان ما سألني الحباب وهو جالس وراء مكتبه من مصدر الكدمات الظاهرة على وجهي. وما أن أنهيت سرد ما وقع لي في تل أبيب حتى وصفني بالكذاب، ثم، إذا بشرطي يدخل علينا وهو يلبس ثياباً مدنية، فيتهمني بطعن حدث يهودي في قدمه خلال مشاجرة حدثت في اليوم ذاته في يافا. فأوضحت له أنه لا يمكنني أن أكون القائم بهذا الإعتداء لأني كنت أنا نفسي لحظة ذاك، أتعرض لهجوم في تل أبيب. وعند ذالك أدخل الحباب إلى المكتب اثنين من رفاقي اليهود ممن كنت أعدهم بين أصدقائي الحميمين. فوافقا بتأكيد على رواية الشرطي مضيفين أنني كنت رئيس العصابة التي هاجمت فريق الطلاب اليهود.

كنت مذهولاً ومخنقاً من موقفهما الظالم تماماً، وحين سألتهما عما إذا كانا شاهداني بأم أعينهما أشترك في الشجار، أجابا نعم. ولم تنفعني احتجاجاتي بشيء لأني لم أكن أستطيع تقديم شهود مضادين. وعندما أنهيت المواجهة. طرد أبي. الذي كان لا يصر إعادتي على البيت بقوة السلاح. كنت مهاناً عاجزاً، أصر أسناني والدموع في عيني وبعض الزعماء يدفعون أبي بشراسة بينما كان يصيح بأني بريء ويناشد الحباب العدل. ثم حبست في زنزانة معدة للأحداث من الجانحين، فلم أستطع أن أغمض عيني بقية الليل.

وفي صبيحة اليوم التالي، حاول الحباب أن ينتزع مني اعترافاً، فراح يضربني بمسطرة على أصابعي، ثم إن سكوتي الذي تأوله هو عجرفة، كلفني مضاعفة الضربات، وفي النهاية قال لي: "إنك لا تريد أن تعترف... حسناً سوف تحال على المحكمة". ثم اقتدت تحت الحراسة إلى طابق الأحداث.

وهناك طرح عليّ رئيس المحكمة وهو إنكليزي يتكلم عربية ركيكة، بعض الأسئلة. فأعدت مرة أخرى سرد ما ألم بي، إلا أن ذلك لم يترك في نفسه ببديهة الحال أي تأثير. ثم اقتدت مجدداً إلى طابق الحباب الذي أبقاني واقفاً عشر ساعات إلى أن أبلغني في ساعة متقدمة من الليل وبحضور والدي نص الحكم. إنه حكم بالأدلة وبإبقائي ستة في الإقامة تحت المراقبة، يكون عليَّ خلالها أن أكفِّر عن سيرتي السابقة، وأقوم، في جملة ما أقوم به بالمثول مرة في الأسبوع أمام الحباب لأقدم له تقريراً عن حركاتي وسكناتي. ولأول مرة في حياتي أستشعر الإحباط والحقد. الحقد على الإنكليز الذين يقهرون شعبي، والحقد على من وضعوا أنفسهم من مواطني في خدمتهم، والحقد على الصهيونية التي حفرت هوة بين الفلسطينيين واليهود. غير أن اليأس الذي استشعرته إثر الظلم الذي لاقيته، جرى التعويض عليه جزئياً بالعطف الذي أظهره محيطي لي، حيث كنت أعتبر بطلاً بأكثر مما كنت أعتبر ضحية. أفلم أصمد في وجه المتعسفين وجهازهم القمعي؟ وسرعان ما منحني مدير المدرسة رشاد الدباغ عطلة لمدة أسبوع لأتعافى من جراحي ومن تجربتي المؤذية. وحين عدت إلى الصف احتفى بي رفاقي، ثم أصبحت، وأكثر من أي وقت مضى، الرئيس غير المنازع بين "أشبال النجادة".

فأما أهلي، فأنه بدا لي أن حنوهم عليَّ قد تعاظم. وقليلاً ما علّق أبي على الإمتحان الذي تعرّضنا له سوية، إلا أني كنتُ أعرف عمق وطنيته، فكنت أعلم أن في وسعي الإعتماد على مناصرته، فقد وافق، بشأن والدتي، على انتسابي للنجادة، برغم أنه هو لم يكن عضواً في أية منظمة عسكرية أو سياسية ومع هذا فإنه كان يتصرف في الأشهر التي تلت توقيفي بصورة غريبة، فقد لاحظنا، أخي عبد الله وأنا، بأنه يقفل بالمفتاح إحدى الخزانات فلا يستطيع فتحها أحد سواه، وكان يعتزل من حين إلى آخر في إحدى غرف منزلنا التي توجد فيها الخزانة بالذات؟ ثم يخرج منها بدون أن ينبس بكلمة. فقررنا ذات يوم، بعد أن أثار ذلك فضولنا، أن نراقبه من ثقب الباب. وكم كانت دهشتنا حين رأيناه يتجه نحو الخزانة بالذات؟ ثم يخرج منها رشاشاً بديعاً.

فأبي الذي كان على ما هو عليه من الرقة والوداعة، كان يزيل الشحم عن سلاحه وينظفه بدقة ويربت عليه بعطف، كان السلاح باهظ الثمن بالنسبة لحانوتي مدك والدي، وحسبنا أنه لا بد أن يكون بالتأكيد مقاتلاً تابعاً لتشكيل سري. غير أن الحقيقة لم تكن تكابق توهماتنا، فبعد ذلك بسنة. أي في مطلق عام 1947، وعندما جرؤنا أخيراً على أن نعترف بسر فضولنا، فإن والدي باح لنا بأنه اشترى رشاشه بماله الخاص. فليس من المستبعد، كما قال لنا، من أن يسحب الإنكليز جيوشهم من فلسطين، فينبغي لنا إذ ذاك نكون مستعدين للدفاع عن أنفسنا ضد اليهود الذين يتسلحون إلى أبعد حد. ثم أن غالبية سكان الأحياء العربية في يافا الواقعة على مقربة من التجمعات اليهودية فعلت الأمر نفسه. ولما لم يكن في وسعهم الإعتماد في دفاعهم على أحد، فإنهم بدأوا يترقبون بخشية اليوم الذي يصيرون فيه تحت رحمة المقاتلين الصهاينة. أما المنظمات الفلسطينية فكان يعوزها السلاح أعوازاً قاسية. فمنظمة النجادة التي كنت أنتمي إليها، كانت تدرب أعضاءها باستخدام البنادق الخشبية وهكذا فإنه لم تتح لي مطلقاً فرصة أن ألامس أو حتى أن أرى سلاحاً حقيقياً، غير ذلك الذي رأيته بين يدي والدي، فكان قوام تدريبنا هو التمارين البدنية والمحاضرات النظرية على فن حرب العصابات التي كان يلقيها علينا العسكريون القدامى الذين قاتلوا في الحرب العالمية الثانية في صفوف الجيش البريطاني. ولم يكن للحركة الوطنية الفلسطينية أي وجود منظم، فانهيار الثورة الشعبية لأعوام 36-1939 الدامية أباد صفوفها وبعثر الأحياء من قادتها، فكانوا في معظمهم حبساء في سجون الإنكليز أو مكرهين على المنفى. وفي تلك الفترة سمعت كثيراً بالحاج أمين الحسيني مفتي القدس وزعيم الحركة الفلسطينية، ولكني كنت أعلم القليل عنه، اللهم إلا نفوره من النجادة التي كانت تزعم أنها تريد الحفاظ على استقلاليتها الكاملة إزاء "الرؤساء التاريخيين" وإنما أتذكر فقط عودة جمال الحسيني إبن عم المفتي، من المنفى، والإجتماع الشعبي الكبير الذي حشد على شرفه في ساحة الساعة بيافا، كنت أحد آلاف المتظاهرين الذين يصيحون معربين عن إرادتهم بالكفاح من أجل فلسطين عربية ومستقلة.

كان جمال الحسيني أحد الرؤساء المستورين لإحدى المنظمات الفلسطينية العديدة التي كانت قائمة حينذاك، ألا وهي منظمة الفتوة، وبعيد مرور بيافا بدأت المحاولات الرامية لتشجيع دمج الفتوة، وبعيد مرور بيافا بدأت المحاولات الرامية لتشجيع دمج الفتوة بالنجادة. وأوفدت الجامعة العربية لهذا الغرض ضابطاً مصرياً يُدعى محمود لبيب، إشتهر بروابطه بالإخوان المسلمين، ومع أن مهمته كانت شاقة إلا أنها تكللت بالنجاح. ظاهراً على الأقل. ذلك أن الفصيلين اندمجا في تشكيل جديد اتخذ اسم "منظمة الشباب" إلا أن هذه العملية بدلاً من أن تزود الحركة بدفعة جديدة، فإنها أغرقت مناضلين المنظمتين الموحدتين توحيداً اصطناعياً، في الفوضى ثم أصابتهم بالتالي بالشلل. فقد أوقف زعيم النجادة محمد الهواري كل نشاط تعبيراً عن احتجاجه ضد هذا المشروع الذي كان يعارضه حتى من حيث المبدأ ثمن أن الهواري أسهم، وهو الخطيب المصقع والقائد الموهوب، والقومي المتقد، في تثبيط عدد من المعجبين به ومن محاربيه عندما انزلق من السلبية إلى التعاون مع العدو واضعاً نفسه في خدمة إسرائيل منذ احتلال القوات الصهيونية ليافا. وأما "منظمة الشباب" فقد ماتت رغم أنفها في ذات الحقبة. ويقيني أن الإنكليز ليسوا غرباء عن إجهاض هذا المشروع. فقد كانوا يعملون، بين جملة ما يعملونه، بواسطة عملائهم داخل الجامعة العربية فلا يتوقفون عن الدسيسة والكيد لإضعاف الحركة الوطنية الفلسطينية، إن بإثارة الانقسامات داخلها، وإن بجعلها غير فاعلة، كما حدث في حالة تحييد النجادة والفتوة. كان الفلسطينيون مجمعين على المطالبة بإنهاء الإنتداب البريطاني وبإيصال بلدهم إلى وضع الدولة الكاملة السيادة. وإذ ذاك فإن السلطات الإستعمارية ضاعفت الإجراءات والمبادرات من أجل تبرير وتمديد وجود سلطانهم ومن أجل هذا فإنه كان لا بد لها أن ترى الإنشقاقات في فلسطين وأن تفاقم موجودة اليهود والعرب وأن تثير المواجهات المسلحة بينهم عند اقتضاء الحاجة. وفي ربيع عام 1946، ألغت حكومة لندن ضمناً كافة أحكام وتدابير "الكتاب الأبيض" لعام 1939 عندما أذنت بقبول 100000 مهاجر يهودي إلى فلسطين وبشراء الصهاينة للأراضي العربية. معلنة ان بريطانيا العظمى ستستمر في ممارسة انتدابها على فلسطين طالما ظلت الظروف لا تسمح ببلوغ هذا البلد الإستقلال.

وفي بداية عام 1947 شاهدت بأم عيني كيف أن الإنكليز يسعون وراء جعل حضورهم أمراً لا غنى عنه، والبرهنة على أن انسحابهم سيفضي إلى حمام دم في فلسطين. فقد لاحظنا، رفاقي وأنا، وفي عدة مناسبات دبابة خفيفة ترابط في يافا وتطلق النار على الأحياء اليهودية في تل أبيب. وعندها ظن اليهود أن العرب فتحوا النار عليهم فردوا بالمثل. ثم إن الإنكليز قاموا بالعملية ذاتها وبوجهة معاكسة مطلقين النار من تل أبيب على يافا. وهكذا فقط راحت المناوشات، ثم المعارك من بعد، تتضاعف بين فريقي السكان، وذلك حتى شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة ذاتها عندما لاحظت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن التعايش بينهما بات غير ممكن فقررت تقسيم فلسطين إلى دولتين.

وقد اتخذت السلطات الإستعمارية موقفاً واضح الإنحياز لصالح الصهاينة لترجيح الغالبة التي تتمتع بها الأكثرية العربية. فبينما كانت تمارس على العرب قمعاً لا رأفة فيه، فإنها كانت تعامل الإرهابيين اليهود، برغم قيامهم بجرائم في وظيفة ضد الإنكليز، بتسامح يتجاوز الإدراك، كان سلطات الأمن تغمض عينيها عن الدفق الكثيف من الأسلحة الذي تتلقاه الهاغاناه والمنظمات الأخرى من الخارج، في حين أنها لم تكن تتردد في سجن أي عربي يحوز سلاحاً نارياً. وتحظر علنياً أن نقتني حتى الخنجر، وتعتبر حمله جنحة يُعاقب عليها بالسجن مدة ستة أشهر. وهكذا فإن نسبة القوى التي كانت تبدو في صالحنا في السنتين الأوليين بعد الحرب، إنقلبت لصالح الصهاينة غير أنه من الصحيح أن هؤلاء كانوا يتمتعون بدعم وتواطؤ من الخارج، لم نكن نتمتع به. فالدول العربية كانت تظهر لنا تعاطفاً بالغ "العذرية" والأفلاطونية، فتعد بالكثير ولا تزودنا عملياً إلا بمعونة شبه رمزية. ولم يكن الفلسطينيون يتمتعون بمنظمة شبيهة بالوكالة اليهودية التي كانت تستقطب الأموال والوسائل التي لا غنى عنها لشراء ونقل الأسلحة. كما كانوا محرومين من القيادة السياسية والعسكرية التي يسعها، فيما لو وجدت، أن تنظم مقاومتهم.

وإذا سلموا إلى قدرهم، وهم يخشون حدوث مجازر شبيهة بمجزرة دير ياسين، فإن مئات الآلاف من الفلسطينيين قرروا مغادرة وطنهم تحرزاً، لا سيما وأن بعض " اللجان الوطنية" المؤلفة من مناضلين قوميين، وخاصة في يافا، كانت تطمئن من يريدون المغادرة بأن منفاهم سيدوم قليلاً، فإن هي إلا بضعة أسابيع أو بضعة أشهر، أي الوقت اللازم لتجمع الجيوش العربية لكي تقهر القوات الصهيونية. ذلك أن القرار الذي أعلنته البلدان العربية بمقاومة إنشاء دولة إسرائيل بالسلاح، أثار أملاً كبيراً لدى الفلسطينيين.

وحين أسترجع ذلك، فإني أعتقد أن مواطني أخطأوا حين وثقوا بالأنظمة العربية. كما أخطأوا على أية حال، حين تركوا الميدان خالياً للمستوطنين اليهود. كان عليهم الصمود مهما كلف الأمر. فما كان في مستطاع الصهاينة أن يبيدوهم حتى آخر رجل. وعلى أية حال، فقد كان المنفى بالنسبة لكثيرين بيننا أسوأ من الموت. وإذا كانوا يجهلون ما ينتظرهم، فإن أهلي قرروا خلاف ذلك، فهم في نهاية الأمر، يلتجؤون إلى عزة المدنية التي ولد أبي فيها، ثم أنهم لاستئمانهم، خلفوا وراءهم أثاثهم وممتلكاتهم حاملين معهم الأمتعة الشخصية ذات الضرورة القصوى، ولكأني أنظر الآن إلى أبي وهو يمسك بيده مفاتيح مسكننا ويقول لنا مطمئناً أننا لن نلبث أن نعود إليه. ولكنه قدر لي ألا أرى بعد ذلك المنزل الذي ولدت فيه، فقد مرت على ذلك ثلاثون من السنين وأنا لا زلت أجهل ما إذا كان قد دمر أم لا. والحق هو أني أفضل ألا أعرف.

يتبع