مغارة الزحلان.. إكتشاف جديد في الضنية/شمال لبنان

الرحلة إلى (مغارة الزحلان) لم تكن في الحسبان. لكنها كانت مفاجأة جميلة، رغم أني لا أحب المفاجآت. أخبرتني الصديقات أننا سنزور مغارة شبيهة بـِ جعيتا، افتُتِحت حديثاً، فتملكني حِسُّ الإكتشاف، رغم أنهن أخبرنني بفحوى الزيارة بعد انطلاقنا وقُبيل وصولنا بقليل. تركنا العاصمة بيروت نحو شمال لبنان، وإن صح التعبير، أعالي منطقة الضنية، وبعد أن زرنا عيون السمك، وقصر الأحلام، توجهنا نحو مغارة الزحلان، التي لم يكن الوصول إليها سهلاً بانعدام وجود الكلمات الدالة عليها، ولا حتى إشارات نحوها، فكان السؤال عن الطريق سيّد الموقف.


بداية، كان الهبوط على الدرج. ومعها بدأت المشاهد الطبيعية للقرية تتخذ موقفاً مني، تناديني تارة لأستمتع بجمالها، بالجنائن الخفيضة والنهر يسابقني نحو البعيد وأزهار اللوز وغيرها من الأشجار المثمرة المزهرة، وتارة تبتعد لأنتبه لخطواتي نزولاً، درجة تلو أخرى، فكنت أتوقف للتصوير، ومن ثم أتابع طريقي. لا شك أن المناظر خلابة، لكن بعض الأعمال في الطريق نحو المغارة ما يزال مستمراً، إنْ لناحية الجسر المعلق في الهواء نحو جرفٍ شاهق في المنطقة المقابلة، وإن لناحية وسيلة النقل الكهربائية التي تشبه واحدة في حريصا/التلفريك.


أخيراً وصلنا، وكان المدخل ضيقاً غريب الشكل. بدأت رحلة العبور نحو جوف الأرض، التي ما تزال المياه تنساب ضعيفة في عدد من الأماكن داخلها، أي أن المغارة ما تزال في طور النمو، ولم تتوقف بعد. التصوير مسموح، لكن الإضاءة ضعيفة ولم أكن قد جهزت نفسي بكاميرا للمحترفين ولا بالإضاءة المناسبة.


جميلة هي، فيها الصواعد والهوابط، وفيها عبق الماضي، لكنها تحتاج إلى إضاءة مناسبة تُبرِز مفاتنها. يعود تاريخ تكوينها حسب الجيولوجيين إلى العصر الجوراسي الأعلى، أي أن مرحلة تكوينها بدأت منذ نحو 120 مليون سنة، وامتلأت بالماء خلال العصرين الذين غمر فيهما لبنان بالماء تماماً، وهي عدة طبقات تحت الطبقة الأولى، اكتشف حتى الآن طبقتان سفليتين، حتى صار العدد ثلاثة أقسام، والباقي ما يزال مجهولاً. ألوان الصخور وتنوع الطبقات التي تغطيها وغيرها من المنحوتات الطبيعية تلك لم أرها في مكان آخر. أما باقي المعلومات التي تودون معرفتها، باستطاعتكم قراءتها على لوحة التعريف بتاريخ وكيفية نشوئها عند زيارتكم لها، وعلى المدخل تقريباً.

المغارة بحاجة للحفاظ عليها، فبعض الزوار أساؤوا لها وكتبوا على جدرانها، ونسوا أن هذا مضر بها. لذا أتوجه بالنصيحة لهم: إن أرادوا الكتابة على مواقع طبيعية، عليهم أن يتذكروا أن لبنان هو طبيعة أخاذة، وهذا ما يجعله مميزاً عن بقية دول العالم وبقاع الأرض قاطبة. فمعظم البلدان فيها موقع طبيعي خلاب واحد أو اثنين على أبعد تقدير، يحمونه ويحولونه معلماً سياحياً مستقطباً الأموال للبلد، وغيرهم يصنعون معالم سياحية بأيديهم. أما لبناننا، فهو بكل جزء من تربته، ساحلاً وبحراً، وودياناً وجبالاً، كلها معالم سياحية إما طبيعية وإما أثرية أو تراثية. كما عليهم أن يؤجلوا الكتابة إينما كان إن كانوا "هالقد مثقفين وبيحبوا يكتبوا" رجاءً، أجلوا الكتابة إلى أن تشتروا لوحاً خشبياً شبيهاً بألواح الدراسة العتيقة، وأشبعوا نهمكم للكتابة، أو انتظروا لحين تزورون قبوركم. قم حينها أيها المستهتر واكتب أينما شئت على جدران قبرك، وقتما تشاء، وإلى أن تُشبِع نهمك للكتابة.


لي تمنيات على أصحاب الأرض:
- أن يكملوا تحسين الإضاءة، ووضعها بطريقة لائقة، ذلك لمشاهدة ما صنعه الله بيده على مر آلاف السنين.
- وضع عدد من المراقبين داخل المغارة، ليس لمنع الزوار من التصوير، بل لمنعهم من تلويث المغارة بأيديهم القذرة، وأفعالهم التي لا تُشبه سواهم.
- كذلك إتمام العمل في الداخل للوصول إلى أبعد نقطة.


يبقى أن أشكر الصديقات على تلك الزيارة الرائعة، وأن أطلب من مُحبي هذا النوع من المنحوتات الربانية واكتشاف المغاور، زيارة مغارة الزحلان، ليكون يوماً في أحضان أعماق الأرض. ولا ننس أن شمال لبنان مثل جنوبه وساحله وجباله وبقاعه بكلها، عامر بالجمال وبإبداع الخالق وتوقيعه أينما اتجهنا.
سهير قرحاني

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Comments are closed.